القرطبي
367
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته ، وعرفوا مغزاه ومراده ، وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته . الثانية - روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ( 1 ) ، ولأهل الشام الجحفة ( 2 ) ، ولأهل نجد قرن ( 3 ) ، ولأهل اليمن يلملم ( 4 ) ، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة . ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكة من مكة يهلون منها . وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله ، لا يخالفون شيئا منه . واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته ، فروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق . قال الترمذي : هذا حديث حسن . وروي أن عمر وقت لأهل العراق ذات عرق ( 5 ) . وفي كتاب أبي داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق ، وهذا هو الصحيح . ومن روى أن عمر وقته لان العراق في وقته افتتحت ، فغفلة منه ، بل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقت لأهل الشام الجحفة . والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان ، ولم تفتح العراق ولا الشام إلا على عهد عمر ، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير . قال أبو عمر : كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته ، والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق ، وذات عرق ميقاتهم أيضا بإجماع . الثالثة - أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم ، وإنما منع من ذلك من رأى الاحرام عند الميقات أفضل ، كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه ، وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه ، وكلهم ألزمه الاحرام إذا فعل ذلك ، لأنه زاد ولم ينقص .
--> ( 1 ) ذو الحليفة ( مصر حلفة ) : قرية خربة بينها وبين مكة مائتا ميل . ( 2 ) الجحفة ( بضم الجيم وسكون المهملة ) : قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل ، ويقرب منها القرية المعروفة برابغ - براء وموحدة وغين معجمة - فيصح الاحرام منها . ( 3 ) قرن : ( بفتح فسكون ) : جبل مشرف على عرفات ، وهو على مرحلتين من مكة . ( 4 ) يلملم ( بفتح التحية واللام وسكون الميم وفتح اللام ) : مكان على مرحلتين من مكة . ( 5 ) ذات عرق : قرية مرحلتين من مكة .